مهدي مهريزي
58
ميراث حديث شيعه
ووجهٌ آخرُ : أَنّ قولَه : « أَحقّ » إنَّ المدلولَ عليه لا يَدخُلُه الاحتمالُ ؛ لأَنّ الدِّلالةَ لا تُخطِئ ، بل هي كاشفةٌ عن حقيقةِ المعلومِ قَطعاً ويقيناً ، وليس كذلك المشاهدة ؛ فإنّه قد يَدخُلُها اللّبسُ . أَلا ترى أَنّ الناظرَ يرى من نزولِ المطرِ خَطّاً مستقيماً ، ويرى النقطَة الجَوّالةَ دائرةً ، ويرى راكبُ السّفينةِ ساحلَ البحرِ مُتَحَرِّكاً والسّفينةَ ساكنةً . فلا تكشِف « 1 » المشاهدةُ عن حقيقةِ المدرَكِ ، كما ذكرناه . فلما دلّت الأَدِلّةُ على اللَّهِ تعالى لم يَجُز أَن يكونَ بخلافِ ما دلَّت عليه قطعاً ويقيناً ، فكان لذلك أَحقَّ من المُشاهدةِ . وكذلك كلُّ معلومٍ بالدليلِ فهذا سبيلُه . وكذلك قال في بعض كلامِه : قد تكذب العيونُ أهلَها ، ولا يَغشُّ العقلُ من اسْتَنْصَحَه . « 2 » وهذا بعينِه هو الذي ذكرناه . « 3 » قوله : لم تَبلُغْه العُقولُ بتحديدٍ فيكونَ مُشَبَّهاً . قال الإمام الوبريّ : لأَنّه تعالى إِنّما عُلِم قادِراً عالِماً حَيّاً سمِيعاً بصيراً قَديماً ، وهذه الصّفاتُ لا تُوجِب التّحديدَ ، وإِذا لم يكن محدوداً لم يُشبِه شيئاً ؛ لأَنّ التّحديدَ هو الذي يقتضي التّشبيهَ ، وأَنَّ المحدودَ لا يكون إِلّا جِسماً ، والأَجسام « 4 » مُتَماثِلَةٌ في الجنسِ ، فإذا لم تَجُز عليه الحدودُ لم يَجُز عليه حُكمُها وهو التَّحَيُّزُ ، وإذا لم يَجُز عليه التَّحَيُّزُ لم يَجُز أَن يكون مُماثِلًا للمُتَحَيِّز . « 5 » قوله : ولم تَقع عليه الأَوهامُ بتقديرٍ فيكونَ مُمَثَّلًا . وقال الإِمام الوبريُّ : لأَنّ الوهمَ والتقديرَ إِنّما يتعلّقانِ بما له هيئةٌ وشكلٌ ، والهيئةُ مقصورةٌ على الجسمِ ؛ فإِذا لم يصِحَّ كونُه جِسماً ، لم تَصِحَّ عليه الهيئةُ ، ولم يَجُز أَن يكون مُمَثَّلًا . « 6 »
--> ( 1 ) . في « د » : يَكْتَشِف . ( 2 ) . القول 281 في الباب الثالث من نهج البلاغة « باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام » . ( 3 ) . معارج ، ص 548 . ( 4 ) . « د » : - « والأجسام » . ( 5 ) . معارج ، ص 548 . ( 6 ) . معارج ، ص 548 .